يومية

ديسمبر 2016
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031 

إعلان

المتصلون الآن؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

12 مارس 2013 
حين نزل حي بن يقظان إلى العالم السفلي من العالم العلوي، حيث كان يحتسي هناك الشراب،ويأكل رغدا من فواكهها في تلك الغابات المطيرة، التي لا حر بها ولا زمهريرا، بل سلام من عزلة رحيمة، ذُعِر، كان يقيس بمقومات عالمه العلوي المعزول بهذا العالم الجديد، هذا العالم المليء بأمثاله، لم يكن ليتصور أن هناك من هو مثله، بل أنه ما أن حط على العالم السفلي، أمسك بفرع نخلة يتحسس بها الكائنات كــأنها مجموعة من الأنعام الضالة التي عهد مشاهدتها في العالم العلوي، بل أنه كان يفاضل بينها ويميز بعضها عن بعض.


كانت صدمته بهذا العالم صدمتين، أولهما/ اكتظاظ هذا العالم بمن يشبهونه مع اختلافات بسيطة في اللبوس وطرق التعبير مما أدت به أن يميز ويفرق ويلاحظ الدقائق المختلفة بينه وبين غيره ويهوّلها، والصدمة الأخرى/ اختلاف المكان عما تعود عليه سابقا من خضرة وجنائن، فهنا بدأ يرى الدخان والمباني التي إن حاول رؤيتها بأكملها لانكسرت عنقه.


فجأة وهو يحملق نظره في العالم السفلي، كالتائه في متاهة كبرى، جاع، تلفت يمنة ويسرة بخرقته البالية التي لا تغطي إلا من سرته إلى فخذيه، وإذا بصورة موز لاحت بصره نحوها في لافتة إحدى المطاعم، فدخل المطعم، ورأى الناس تأكل على الطاولات والكراسي بالشوك والسكين، وإذا بــ (أنكيدو) هجم على حي من وراءه، وسأله: كيف كانت الحفلة التنكرية؟ لم يفهم حي بن يقظان ما يقوله أنكيدو، فحسب أنها لغة جديدة لفصيلة حيوانية جديدة ربما لم يكتشفها في العالم العلوي، أمعن النظر فيه، وتلفّت حوله، وكان يستمع قهقهات الناس تتصاعد، وبدأ حي بالتفكير والمقاربة، يقول في نفسه: نعم هذا الصوت سمعته من قبل، إنها تشبه ضحكات القرود المستفزة عندما تتمرجح وتتنقل من شجرة إلى أخرى، استشاط غضبا، وقلب طاولات المطعم، وهجم على ثلاجات الموز والتهمها بكل شراهة، وبعدها هجم عليه رواد المطعم فحاول المقاومة وهرب.


لحقه أنكيدو الذي كان يبحث عن الدهشة في حياته الحداثية التي اتسمت بالرتابة والملل والروتين، كان يرى في حي ذلك الإنسان الذي سيمنحه التغيير بهيئته المختلفة، حاول حي بن يقظان الهرب منه ومقاومته، وبادره بردات فعل عنيفة في البدء، ولكن مع مرور الأيام أصبح حي ودودا، تعلم وتهذّب على تعاليم العالم السفلي، فتغيرت هيئته ولبسه وسلوككه، وتعلّم لغتهم، وأصبح جزءا من مجتمع العالم السفلي، مع أنه كان ينقد كل مظاهر العنصرية فيه وسلوكياتهم المنحرفة ويقيسها بالعالم العلوي الذي لا مشاكل ولا انحلال خلقي به، وذلك لأنه "لا أحد فيه سواه".تعرّف حي بن يقظان على امرأة واستحسنها، وتزوجها بعد عناء وذل طويل بتقاليد العالم السفلي التي لم يفقهها، ولكن فقط لكي يشبع تلك الغريزة الملحة التي لم يستشعرها من قبل في عالمه العلوي، بدأ يحتكر زوجته ويذلها بسبب معايرة أهلها له بأنه غريب لا أصل له، فكانت زوجته مصب غضبه، واختلق من ذلك بعنفه مجدا ربطه بعرق العالم العلوي، وأنجب منها أولاد وبنات كثيرين، وبعدها بسنة حصل على قطعة أرض، وبدأ يحتكرها، وشغّل من العمال الكثيرون يزرعون الأرض، ظلمهم برواتبهم القليلة مقابل عملهم الدؤوب لجشعه، وعندما كبر أولاده واشتد عودهم، بدأ يطرد العمال بكل وقاحة ملحقا بهم الشتم والنهر دون أن يفيهم أجورهم بدعوة أنهم كانوا أدوات من العالم السفلي وآن لنسل العالم العلوي كي يتربع أرضه المقدسة، وعيّن أولاده ليساعدوه في إدارة الأرض، وأخذ كل من أولاده قسمة في الأرض، وكل منهم يرى نفسه أفضل عن الآخر بتخصصه، فرض حي على أولاده الزواج من بعضهم البعض حتى لا تذهب أرضهم هباء ويختلط جنسه بالآخر المنحط الذي لا يحمل عرق عالمه العلوي، كان يرى أن النسل سيضيع بسبب الجينات الوراثية التي قد تؤثر على أخلاق اولادهم إن تصاهروا مع بني العالم السفلي.


كان ابنه أبو العبر يرتحل من منطقة إلى أخرى في العالم السفلي، وعلى بعد ميل من أرض حي المقدسة، أعجب أبو العبر بفتاة من مدينة الواقواق وهي مجاورة لأرضه، ورجع إلى أبيه طالبا منه أن يخطبها له، فجابهه بالضرب والنهر والتهميش والحرمان بدعوة أنها غريبة، وليست من العالم العلوي ولا من العالم السفلي، وتلك أسوء الحالات، وبدأ حي بن يقظان بإشعال سيجارته، ليصل لمرحلة التوازن، ومنها وهو يلوح بيده ليزيل الدخان، بدأ ينّظر في تفضيل الناس وجعله دستورا في أرضه المقدسة، وهي طبقية تم صياغتها أخيرا بعد عناء طويل من حي، وهي كالآتي:


طبقة العالم العلوي/ وهم حي ونسله وأحفاده من أبناءه.
طبقة أصهار العالم العلوي/ وهي زوجته
طبقة العالم السفلي/ وهم المنحطين الذين يختلفون عنه وينتمون للعالم السفلي (المدينة التي نزل إليها)
طبقة العرق الدوني/ الذين لا ينتمون ولا العلوي ولا للمدينة التي يعيش فيها حي في العالم السفلي، وهم الوقواقيون والغرباء الذين لا يعرف من أي فصيلة من الحيوانات أتوا.


وعلى هذا الأساس قام حي بن يقظان بناء مملكته في العالم السفلي، بعد أن عجز عن العودة إلى العالم العلوي بعد نفيه.


ابتهاج يونس
12-3-2013


Admin · شوهد 264 مرة · 0 تعليق
الفئات: الفئة الأولى
03 مارس 2013 


      على الرغم من وفرة توارد بعض المصطلحات الأديولوجية والعلمية في حياتنا الشخصية  - أكنا نعي معانيها أم لا – مثل الرأسمالية والشيوعية والوجودية والحداثة وما بعد الحداثة، إلا أنه يكاد أن يكون التيار الدادائي بعيدا عن المسامع في مجالسنا العلمية والأدبية نوعا ما، بل أن البعض منا قد يسمع عن هذا التيار عن آخرين يرفضونه ويشتمونه، فيعيد تدوير ما يسمعه على مسامع آخرين جاهلا بأسباب نشوء هذا التيار والظروف المحيطة لظهور هذا التيار، وفي هذا المقال نهدف إلى تقديم الدادائية بأكبر قدر من التفهّم والموضوعية، وتنوير القراء من خلال معلومة ورأيا في هذا الموضوع، وتعريفهم إن لم تكن لديهم فكرة عن هذا التيار.


      كانت للحداثة دورا في تشكيل هذه الحركة، فالظروف المتمثلة بانقلاب الكنائسي من مارتن لوثر والتحوّل الصناعي والعقد الاجتماعي الذي أدى إلى ظهور الرأسمالية وتاليا الثورة عليها بالاشتراكية، كذلك لا ننسى التطور العلمي الهائل في القرن التاسع عشر الميلادي  - كل ذلك أثر في مجريات تاريخ أروبا إلى حرب العالمية الثانية، كانت تلك المدة من التاريخ التي كانت أكثر صخبا ولاسيما في النهايات أي القرن 19-20 ميلاديا، لم يكن ذلك التطور في أروبا مقدما على طبق من ذهب، بل كان على دماء وأعصاب الأروبيين، فتلك النهضة لم تأتِ إلا من ألم وحروب ومجازر، خلّفت على إثرها فكر ما بعد الحداثة، وهي حالة إحباطية من الحداثة، تحاول نقد حروبها ومجازرها وتسلّقها على أكتاف حياة الناس وتضحيتهم لها بمشاعرهم وذواتهم وأحلامهم وصحتهم وفلذات أكبادهم، جاءت لتقول: كفى تبريرا للعظمة والتطور والحضارة بدماء الناس وسرقة أحلامهم وحاجاتهم وتفاصيل حياتهم، وكانت الدادائية من الحركات التي أثرت في فكر ما بعد الحداثة.


      في تلك الظروف العالمية ولدت الحركة الدادائية 1916، كانت للحرب العالمية الأولى دورا كبيرا في نشوء هذه الحركة، فهي مدة الحروب الطاحنة في أروبا ابتداء من الارستقراطيات الأروبية إلى المجتمع المدني، فكانت أروبا جلّها في حرب من صغيرها إلى كبيرها، إضافة إلى ذلك أُستخدم التطور التقني لخدمة خساسة هذه الحرب والتنافس الإمبريالي أكان بأروبا نفسها أو خارج أروبا (آسيا وأفريقيا)، فكانت الطائرات تقصف الشعوب بالكيماويات، ناهيك عن الحرب التي خلّفت مسوخا جسدا ونفسا، وقد كان بطلنا أحد المسوخ نفسا "تريسيان تزارا" أحد ضحايا هذه المجزرة التي دفعت بـ 240 ألف قتيل وجريح ثمنا لنزوات الساسة في معركتهم في فرنسا، جن جنون تزارا  من ألم الحرب العالمية الأولى، ومنها نزح من ألمانيا المتسابقة في التسلح والتجنيد والحرب إلى سويسرا التي كانت نوعا ما سالمة من الحرب أروبا الأهلية، وهناك في إحدى مقاهي زيوريخ بدأ إعلان عن هذه الجماعة، وهي جماعة من الفنانين والأدباء والمفكرين والشبان الثائرين على ركب العالم المسعور للحرب والاستغلال، كانت لغة حركتهم الفكرية هو الفن.


    ولنا أن نسأل من أين أتت كلمة "الدادائية"؟ ولم تم اختيارها؟ وما معناها؟ والجواب هنا يتسم بقمة الفوضوية والعبثية، حيث قام هؤلاء الشبان برفقة تزارا في المقهى بالاتيان بقاموس ومرروا أيديهم إلى أن وصلوا صدفة إلى كلمة "دادا" وهي كلمة فرنسية تعني حصان خشبي يلعب بها الأطفال، ولنا أن نكتشف من طريقة اختيارهم للاسم، طابعهم وأسس فكرهم ونهجهم، فقد كانت معادية للمنطق والحساب والعقل الذي عن طريقه أودى بالعالم إلى مهالك الحرب واللاإنسانية، فما فائدة الحضارة والتقدم والعقل إن لم يكن هناك روح إنسانية تجمع بين الناس؟ سخر الدادائيون من العلم والفكر والدين والفن، لأنها أصبحت وسيلة لجني المجد السياسي والاستغلال الاقتصادي، سخرت الدادائية من الروحانيات والوجوديات والأديان والأخلاق والقيم والشرف معبرة عن رغبتها في انقلابها على المجتمع الرأسمالي الحديث، لأنها وجدت أن "كل شيء هو لا شيء" فلا شيء يستحق الحياة، وكل شيء في نظرها هو عبث ووهم.


    كان الدادائيون ضد الفن، يحاولون تشويهه بأي طريقة سمحت لهم، فبنظرهم أن الفن لم يكن يعكس سوى البرجوازية والفئات المتعالية من البشر، فكانت ردة فعلهم هي تشويه اللوحات العالمية كالجيوكندا برسم شارب لها وإضفاء خلفية خربة وراءها، كانت تستخدم الخرق البالية والأحذية وبقايا الطعام العفنة في لوحاتهم، كانوا يستخدمون الكلام البذيء والشاذ وغير المترابط في شعرهم ونثرهم للتعبير عن حالة الإنسان في عصر الحداثة وما بعدها، كانوا يغنون ويرقصون بطريقة شاذة هابطة أثارت الرأي العام الأروبي، منهم معارضة ومنهم مؤيدة، وكان التأييد على أغلب الأحوال لأنها تحاكي هموم الناس وجراحهم تلك المدة المـتألمة من الحروب، وقد استمرت شعبية الدادائيين ست سنوات، ولكن بعدها بدأت بالاضمحلال لتحسن أحوال أروبا بعد السنوات الست نسبيا، وخلال تلك المدة أنشئوا معرضا لهم ووضعوا لوحاتهم الغريبة بأدوات الحداثة التي تبرز التناقض والقبح الإنساني، ومن جرأتهم أنهم وضعوا مبولة في معرضهم تعبيرا فيه عن الانحدار، وكذلك أسسوا صحيفة "الدادا" وبثوا فيها أفكارهم المعادية للحرب وسخروا فيها من التفاهات الإنسانية وعمدوا فيها بإبراز التناقضات البشرية والانحدار الإنساني "اصرفوا بأسنانكم .. اصرخوا .. اركلوني على أسناني .. ثم ماذا !! لن أكف عن أن أنعتكم بأنصاف الموهوبين، وبعد ثلاثة أشهر سوف نبيعكم أنا وأصدقائي صورا ببضعة فرنكات" تزارا.


     على الرغم من شذوذ طريقة تعبيرهم تلك، إلا أننا يمكننا تبرير هسترتهم، فقد رفعوا راية الحرب ضد الحرب، كانت طريقة لنشر قبح الحداثة والثورة الصناعية والثورة السياسية المستخدمة للحرب وضد الإنسان باساليب واقعية - وإن اتسمت بالمبالغة – مستخدمة خامات الحداثة وعناصرها من آلات وعبثية وتشتت في التفكير الإنسان الحداثي وانعدام المعنى واضمحلال في القيم والمعايير التي كان يعتقدها مبادئ وأصبحت في النهاية مجرد وهم، كان للدادائية أثر كبير في التيارات الفنية الجديدة، فالسريالية إحدى التيارات من تأثرت بالدادائية، وكذلك يمكننا أن نرى أغاني الروك كيف دخل فيها الفكر الدادائي حيث صارت تغني بكلمات تزارا، كذلك الأدب نرى بعض الأدباء يميلون لاستخدام أيقونات دادائية في كتاباتهم، فالدادائية لم تنته في الست السنوات بعد 1916، بل نرى مظاهرها اليوم في حياتنا الشخصية والاجتماعية والروحية التي تبرز تناقضاتنا.


       في خلج كل منا الآن نمقت الدادائية، تقول يالهم من منحطين، شاذين متناقضين مهلوسين عربيدين سكّرين حفنة من السفلة الهابطين الخارجين من القيم والأخلاق، ولكن ماذا عن أنفسنا في حياتنا اليومية، ألا نمارس الدادائية بيننا خفية؟ ألا نشتم وننكت نكتا منحطة ونغنيها ونمارسها في حياتنا بكافة الأصعدة، ألسنا مشتتين في ظل الحداثة؟ من أين ظهرت "الماسوشية" حب تعذيب الذات؟ ألا تعتبر الأغاني الهابطة الخالية من المعنى التي نتداولها دادائية أخرى بطريقة أخرى؟ ألا يعد تسليمنا ونظرية "مشي حالك" والعبثية باسم "الأمور طيبة" نوع من التغاء القيم ودادائية أخرى في التعبير عن فوضوية الحياة الحديثة؟ أننا نسخر من أنفسنا ومن حياتنا ولكن بدون وعي وندفع بيأسنا لتحطيم المحيط وسحقه بدراية وغير دراية باسم الفضائل والمجد والشرف وأحيانا الفضائل، بل أن وصم الدادائية لتلك الأفعال يعد شريفا وغطاء لذلك الانحدار والهبوط في حياتنا.


      الإنسان العالمي اليوم مشتت، فاقد المعنى بسبب انغلاقه وفجأة انفتح وواجه صدمته الحضارية بالآخر  الذي لا يستطيع فهمه واستيعابه، وطرق تعبيره تدل على ذلك مع أنه يدعي المعنى والمبدأ ، وتظل تلك مجرد شعارات يبرر بها نزواته ليحطم بها نفسه والآخر، أصبح مسخا، متناقضا مقسوم الوجه وممزق، يغرس بين رقائع وجه أشواكا حتى يتماسك ولا يسقط وجهه - أما الدادائيون الذين فقعوا بشذوذهم وإنكارهم ونزلوا لأقل من مستواهم، فلم يدعوا الأخلاق والقيم والمبادئ بل كانوا إنسانيين يرفضون الظلم والحرب والشعارات المتناقضة، يرفعون صوت ضحكاتهم وقهقهاتهم في وجهة كل مدعِ واهم بجنون العظمة، فأين إنسانيتكم ورفضكم للظلم والمبادئ يا أصحاب الدين والأخلاق والمجد والعظمة والعلم والفكر والفن والحضارة والتقدم؟! 

ابتهاج يونس
1-3-2013

Admin · شوهد 310 مرة · 0 تعليق
الفئات: الفئة الأولى
27 ديسمبر 2012 


أكره البدء وأكره الانتهاء 
أكره المقدمات ولا أحسن الخواتم 
أكره الإسهاب وأكره الاختزال
فهل أنا خالدة؟
وهل يعني أنني الأزل اللا متناهي؟
حقيقة لا أعلم
ولكني لا أتصور أن يكون لي بداية ولا نهاية 
لأني أعلى من أن أقاس
لربما جسدي يتغير وعقلي يتغير وينفني العالم
لكني باقية بهذا اللباس أو غيره
فأنا أعظم من هذا الجسد وأعظم من أن يحدني شيء
أنا مطلق لا حدود له! 


ما هو نهاية العالم ؟
هل نهاية الإنسان؟ أم نهاية الأرض؟ أم نهاية الكون؟ أم نهاية المبادئ الأخلاقية؟
ما هي أسباب تصور الإنسان للنهاية؟ 


لو كان الإنسان وحيدا على الأرض، هل كان سيخطر في نفسه النهاية دون وجود إنسان آخر سبقه بالموت؟ أم أن الطبيعة كفيلة بأن تعلمه أن هناك نهاية؟


هل نهاية العالم هو إسقاط الإنسان صفة النهاية على العالم بأن يصفه أنه منته مثله ؟فيكون نهاية العالم أمر نسبي شخصي متعلق به أي يفسر نهاية العالم بنهايته،
هل هناك بداية أخرى بعد نهاية هذا العالم ؟ وهل هي مرتبطة بالإنسان أم غيره؟


هل عندما نفكر بالنهاية يعني أن نصل إلى اللامعنى والعدمية والتشتت وفقدان المعايير؟ وهل الأديان أتت مواسية مشفقة على هذا المسكين لترسم له البسمة وتحد من تسارع أفكاره المزدحمة الموجسة فقط لتقول يا عباد لكم هدف؟


وإن كنا خالدين: 
ما سبب هذا الزعم ؟ هل سببها الأديان أم الحوادث الطبيعية أم علم الأكوان أو علم الأبعاد أو النسبية التي تزعم بتوسع هذا الكون إلى مالا نهاية مبتدئين من الانفجار العظيم ؟ يا ترى ماذا كان قبل الانفجار؟ هل العدم؟ وهل العدم موجود؟ نعود لفيزياء أنشتاين السماوية التي دأبت على أن اختزال حوادث الكون الانهائية في معادلة رياضية معادلة كل شيء، ولم تكتمل بموت صاحبها.


طاقة البدء هي الطاقة الكهرومغناطيسية المتوسعة تقابلها الطاقة التثاقلية والتجاذبية لنيوتن التي تفرض نتائجها الانسحاق العظيم للكون في نهايته، وهي أحد الإشكالات التي حيرت أنشتاين كيف للكون أن يتجاذب وتنكمش أشلائه لتنحسر ، بينما يأمل هو بالخلود واللانهاية بالتوسع؟ يا ترى هل هناك طاقتين في الأرض؟ طاقة انجذاب وطاقة انفلاش كاجتماع الذكر والانثى واجتماع الأرض والسماء التي بوجودهما يتكاملان.


هل نهاية العالم مرتبط بفكرة العدالة الكونية؟ كثيرا ما أنذرت الأديان بنهاية العالم، بفكرة القيامة والبعث والحياة الأخرى والدورات الروحية للإنسان أي أنه ينتقل من حياة إلى أخرى إلى أن يتجاوز نقص روحه ليصل إلى الكمال وينضم إلى الروح الكلية الله، أم أنها الملحمة المستقبلية الخالدة التي تجعل الناس في محكمة كل يقف فيه صفا صفا ينتظر ثوابه وعقابه؟ 


هل هو إنذار بجزاء العمل من عمل صالحا له أجره ومن عمل سوءا له بالمثل؟ هل هي الرادع عن ظلم الناس لأنفسهم ولغيرهم؟ هل هي مرتبطة بنظرية الفراشة التي ترى أن العالم يؤثر عليه رفة جناح فراشة فيرد العالم عليها برفة وتحدث منها الأفعال متوالية؟ أي أن لكل فعل ردة فعل ولا يوجد هناك صدفة بل ما هي إلا ذريعة ضعف الاحتمال والتحكم ؟ 


يا ترى ما ارتباط فكرة النهاية بالخلاص -كما هو في أغلب الديانات-  بوجود منقذ منتظر؟ هل نهاية العالم هي الخلاص الاستشفائي المنتقم بواسطة المنتظر بأن بأن ينتصر المسلمين بالمهدي والمسيحيين بعيسى والهندوس بالإله المنقذ والماسونيون بالدجال؟


أم أنها إعلان بأننا سنعيش حياة واحدة فافسق وافعل ما تشاء لن تعيش حياة أخرى! أم أنها هسترة تفاؤلية نعشي فيها دواخلنا الحزينة بالنهاية بأن نكد ونصنع ونضحك وننجز لأنها هي الحياة الوحيدة لا غيرها؟! أهي سلعة إعلامية استغلت غريزة فضول الإنسان وخوفه من الموت والمستقبل؟ أم أنها مرحلة لتسيد النظام الرأسمالي والترويج للماسونية الكاذبة بقدوم الدجال بتقديس اللحظة والمادية والاستهلاك والقيمة الفورية ، وبالتالي نشاط الاستهلاك المظهري المادي وتسيد المغريات وبالتالي حراك الاقتصاد العالمي؟ هل المايا أخطأوا في تقديرهم في نهاية العالم ؟ أم أنهم يقصدون نهاية العالم من جانب آخر قد نفقه مستقبلا؟! 



هل الموت هو الحل؟
اللهم عجل في الدمار الشامل» 
يدعو البعض 


اللهم أخرج يأجوج ومأجوج يأكلون هذا العالم ... اللهم ابعث فلان ليقتل الآخرين. يدعو البعض!


هل النهاية هي الخلاص والنعيم بعد ذلك ؟ ما أدرانا ما بعد الموت؟ هل سننفني أم نعيش حياة أخرى فتكون هذه حياة كالحلم أو الكابوس الذي نستيقظ منه للحياة الأخرى؟ أم هو الحساب؟ أم أننا خالدون بالخلق المستمر؟! 


لا أحسن الخواتم 
وتبقى الروح الكلية التي ننتمي لها ذات الجلال والإكرام


ابتهاج يونس 
25-12-2012


Admin · شوهد 230 مرة · تعليق 1
الفئات: الفئة الأولى
01 نوفمبر 2012 
برز ابن خلدون في عصر الدويلات والانقسام في المشرق والمغرب المليئة بالمؤامرات السياسية والاجتماعية (1332-1406م)، بل أنه كان في مطبخ التآمرات هذا إن لم يكن شريكا في طبخها، تنقل بين بلدان شمال أفريقيا بين تونس وفاس ومصر وشغل مناصب سياسية كثيرة، إلا أنه في مدة من حياته اعتزل السياسة وبلاط الملوك وعاش مفردا وبدأ التأمل في ومراجعة نفسه، وكانت ضمن طموحاته أن يعيد صياغة التاريخ بدقة لما ورده من شك في أحداثها، والفريد في ابن خلدون أنه اخترع علم العمران البشري والاجتماع الإنساني الذي غرض منه أن يكتشف القوانين والعلاقات والأسس التي من خلالها يتحرك أي مجتمع ويحكم سلوك أفراده، فمن هذه الأسس يستطيع الانطلاق منها للتحقق من التاريخ بناء على تلك القوانين وطبائع الإنسان والشعوب، فالحوادث التاريخية عنده لا تتعاقب مصادفة دون انتظام بل هناك قوانين تسير الحركة الاجتماعية، فعلى رأيه في المقدمة: " التاريخ قصيدة لم يتغير رويها قط" وهنا كان له الفضل في نشوء علم الاجتماع وبروزه كعلم، وكان أحد طفرات علم التاريخ بفلسفته الجديدة بتسييد منهج العلمي والأخذ بالعلية ونبذ أسلوب الرواية والحكي فيها دون تمحيص، وكان أحد الانثربولوجيين الذين تحدثوا عن تطور المجتمعات، ناهيك عن إسهاماته التوثيقية في كتاب المقدمة وكتاب العبر في شتى المجالات كالجغرافيا والأثنوجرافيا والفلسفة والآداب والفنون والسياسة وغيرها من العلوم.


عُرف ابن خلدون بإنتاجات فكرية وُصمت بشخصيته الموسوعية، فمن إنتاجاته الفكرية أنه قال بنظرية الأطوار الثلاثة للمجتمعات والتي بها سبق غالب التطوريون الأنثربولوجيون التي اشتقوها من نظرية دارون البيولوجية، فزعم أن المجتمع يبدأ بحالة بدوية متنقلة تحكمه العادات والحاجة الاقتصادية ويسيطر فيها وازع العصبية النخوة أكثر، ثم يتحول إلى تأسيس دولة إما بالفتح أو قهر الشعوب الأخرى ويحافظ على دولته بالعصبية، وأخيرا يستقر في المدنية وتعم حياته الترف والملاهي إلى أن تغرقه في الانحطاط بسبب قلة العصبية وسهولة الانقياد، ويرى ابن خلدون أن محك هذا التطور هو العصبية وصفاء العرق فبدونها تنحط الدولة، ومن وجهته يرى أن البدو هم أكثر الناس نخوة وشرفا، ومن هنا انطلقت أنثربولوجيته الاجتماعية، ولكنه أغرق في وصف الدولة المدنية وسياستها، حيث رأى بأن أساس بقاءها صفاء عرقها وتعصب ملوكها، وأسهب في وصف الأطر السياسية للمجتمع في ذكر تنظيمات المجتمع وأبنيته والتي شبهها كالكائن الحي، واعتبرها أجزاء تتكامل لتشكل ذلك الكل وبهذا سبق المدرسة الوظيفية في علم الاجتماع، والبنيوية في الفلسفة، وفي مباحث الخلافة يصر ابن خلدون على ضرورة أن تكون الدولة دينية نصرة لعصبيتها ووحدتها، فهو يرى أن العصبية أول شرط للملك، وليس أفضل من الدين لشحن دافعية الدولة نحو البقاء والحفاظ على عصبيتها، بل في نظره هي سبب التوسع والفتح، وفي نظره أن الإنسان لا يدري تدبير شئونه كثر دراية الدين بذلك، وشرط ابن خلدون أن يكون الخليفة عادلا يمتاز بصفة الكفاية في العلوم الشرعية وما يساعده على الحكم، والخليفة عنده ليس معصوما وليس مختارا ولايملك الوحي، بل يتخذ بالأسباب، 


ولابن خلدون نظريات في علم السكان، فهو يرى أن زيادة عدد السكان ليس عائقا للمجتمع، بل هو أساس مدنيتها، فكثرتهم دلالة على الكسب والنشاط، وقلتهم يؤدي إلى الاستنجاد بالأجانب، وهو على عكس النظريات السكانية التي ترى بإقلال عدد سكان الأرض وتحديد نسلهم باسم (الندرة) وكأن الكون خفت موارده، وعلى الناس أن يكونوا متوحشين وجشعين لكسب قوتهم، وخرافة الندرة هذه والترويج لها هي إحدى الألاعيب الإعلامية لتشفير العالم ليتقبل النظم العالمية الاقتصادية الجائرة الجديدة كالرأسمالية والتنافسية غير الشريفة باسم الغاية تبرر الوسيلة، على كلٍ نعود إلى ابن خلدون، كذلك يرى أن الاستعباد (الرق) ليست وسيلة طبيعية للكسب بل هي طارئة ودلالة وجودها إما على طفولة المجتمع أو هرمه وانحطاطه، و يرى المدنية والترف إحدى محفزات الكسل والخنوع والضعف، فالترف بنظره يؤدي إلى زيادة الاستهلاك واعتبار الكماليات أساسيات، وهذا هو الانحطاط باستنزاف موارد الدولة في أمور لا طائل منها " والحقيقة أن الحضارة تحدث بطبيعتها آثارا سيئة في الجسم والعقل بل في أخلاق الناس لأنها تؤدي إلى الترف وتبعث الفتور إلى سكان المدن وتجعلهم عاجزين عن الاحتفاظ بمزاياهم الحربية، التي رفعتهم إلى سلطان الحكم وكذلك عن أن يبذلوا نفس الجهد، وأن يظهروا نفس الغيرة في العمل الذي وصلوا به إلى حياة ناعمة فياضة باللذائذ، ومتى اعتاد الناس حياة الرفاهية والسعة فإنهم يميلون بالطبيعة إلى أن يخلدوا في الفتور والكسل فيحيلون على غيرهم ما يجب عليهم من الأعمال، وبمرور الزمن يصبح سكان المدينة جميعا عاطلين وعبثا على الحكومة، وتضطر الحكومة إلى أن تستخدم الأجانب في حماية المدينة وفي ضمان تموين السكان، فيفضى ذلك إلى سقوط الدولة وإلى نهاية الحضارة": المقدمة.


وما هذه إلا شظايا من فكر ابن خلدون الذي توسع في آفاق كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المقال، إلا أنه أسقط إسقاطات اجتماعية في عصره تنطبق غالبها على عصرنا ولاسيما فيما يتعلق بأمور الدولة، إلا أنني أخالفه في أن محك الحضارة وتماسك الدولة هو العصبية وصفاء العرق، بل أننا نذوق ويلات هذه الآفة الى اليوم بالانغلاق والتاخر وتقهقر جسم المجتمع بانفراد القبيلة والأفراد عن الانفتاح وتقبل الآخر أكان باسم العرقية القبلية أو الوطنية فهناك فارق بين هذه الغيرة العصبية وبين صلة رحم الإنسانية الكونية، وللاسف اتخاذ هذا المفهوم أدى إلى أخطاء وشروخ لم تلتئم إلى اليوم، فخيانة الوطن جريمة لا تغتفر ولكن خيانة الإنسانية خطيئة لا تندمل حتى لو كانت باسم الدين، وأخيرا شكرا ابن خلدون.

ابتهاج يونس
19-10-2012

Admin · شوهد 313 مرة · 0 تعليق
الفئات: الفئة الأولى
12 يوليو 2012 

"يا آدم 
هذا الجسد الذي تضيق به وتعاصيه
أنت لست خالدا فيه
إنه زمن ستقضيه
تصعد بعده وتعود بيتك الذي تشتهيه"
(كنزاربا: الكتاب المقدس للصابئة والمندائيين)


أكتب وتجافيني الحيرة عن الكتابة، أعلم أنني تأخرت، وينطبق علي المثل "يوم خلّص العرس جاي الشايب يرقص"، فاتني عرس الإسراء والمعراج، ولا أخفيكم أنني بدأت الكتابة في يوم ذاته أملا في الانتهاء من المقال في اليوم نفسه، ولكن ما أن قعدت أرسم خارطة الطريق للمقال اكتشفت أن الموضوع متشعب جدا، وهذا لأني لا أريد الخروج بمقال أحادي النظرة من وجهة نظر اتجاه واحد، فالإسراء والمعراج ليست حكرا فقط على الثقافة الإسلامية، بل تمتد جذورها إلى أنبياء آخرين، ومصلحين آخرين عبر التاريخ، فهناك أحداث تاريخية مشابهة لهذا الحدث، ناهيكم عن التطورات التي نشئت في الفكر العلمي الحديث في تفسير هذه الظاهرة نظريا وتطبيقيا، فالخارقية في فعل الإسراء والمعراج ليس في آليته، بكثر ما هو مرتبط بخارقية فاعلها الذي يملك الصفات المتعالية عن بقية أقرانه لتتهيء به الظروف لفعل ذلك، ومن هنا كان منطلق بحثي في الموضوع الذي أغراني وطمّعني بالاستزادة في البحث عن هذا الموضوع وبالاستزادة تاريخيا وعلميا وثقافيا عن هذا الموضوع، فهو ليس بالسهل كما يظنه البعض في كتاباته عنها، على أنها مجرد مناسبة لابد الاحتفال بها دون التفكر في فك طلاسمها.


تكمن القيمة المعنوية للعالم الإسلامي لهذه المناسبة بأنها مرتبطة برمز ديني يبجّله المسلمين، احتراما وفضلا لما قدّمه النبي الكريم محمد – عليه الصلاة والسلام- من تضحيات لهذا العالم لتغييره نحو الأفضل، كان مثالا نموذجيا للنبوة والرسالة، ولا أعجب أن يُعتقد به أنه خاتم النبيين والرسل، وذلك لو تتبعنا سلسلة الأنبياء والصالحين في التاريخ، لرأينا أن محمدا أحدث تغييرا عميقا للبشرية مقارنة مع الرسل السابقين له، فبتغييره تغلغل إلى نفوس أتباعه بامتثال التعاليم التي جاء بها، وبكارزمته التي جعلت منه قائدا للمسلمين، ليس لنفوذه ولا لجبروته، بل بسحر شخصيته، التي جعلت الجميع يحبه وينصاع له، والفارق الذي أتلمسه في شخصية محمد بأن جُعل مثال لخاتم النبوة والرسالة، هو في مقدرته على تغيير التربة التي كان يمشي عليها الناس بنسبة كبيرة جدا - بتهييء الظروف لغرس مبادئ رسالته، بالإضافة إلى قدرته على تغيير طينة الاشخاص ليصبحوا أكثر مرونة وسلاسة ليتقبلوا تلك المبادئ لتغلغل في نفوسهم وتلامسها، فتصبح جزءا من صلصال تكوينهم، هذا هو الانتصار الذي حققه محمد على بقية الأنبياء والرسل بأن غيّر النفوس والمناخ المحيط دون اقتصار على أحدهما لتدوم الرسالة لمدة طويلة ، ناهيك عن صفات محمد النفسية والروحية التي أبهرت الجميع في تلك المدة، فكان كاملا متوازنا جسدا وعقلا وروحا، مما هيئ له أن يسري ويعرج، والذي كان بمثابة الإعجاز والصاعقة لمن سمع القصة من بعد الحادثة، إلا أن أبا بكر صدّقه، لأنه ملك دليلا ماديا متوافقا مع ما يقوله الرسول بالتوافق مع المكان الموصوف (بيت المقدس).


ولو أتينا لمعنى الإسراء والمعراج لغويا، (الإسراء): السَري ليلا، ولكن بالمعنى الاصطلاحي: هو انتقال من مكان إلى مكان آخر في زمن قياسي خارق للعادة، و(المعراج) لغويا: الصعود، وبالاصطلاح: هو الارتقاء من مكان إلى مكان آخر ذو هيئة مغايرة عن الهيئة الأولى تتسم بالسمو التعالي عن الأولى، ولو طبقنا هذا التعريف تاريخيا لرأينا أن هذا المفهوم طُبّق تجريبيا سابقا عند أكثر من شخصية تاريخية إما حقيقيا أو أسطوريا، وهذه العملية ليست غريبة على كثير من الثقافات السابقة، ومنها نذكر إسراء إخنوع (النبي إدريس) الذي عرج للسماء الرابعة فجاءه ملك الموت ليأخذ روحه، وكذلك يشهد التاريخ بانتقال عرش بلقيس من مملكتها في اليمن إلى موطن النبي سليمان خلال طرفة عين، وكذلك معتقدات الهندوس في تناسخ الأرواح التي ترى بأن الأرواح تسري من جسد إلى جسد ومن حياة إلى حياة أخرى حيث لا موت سوى موت الأجساد، وأن الجسد عبارة عن لبس يلبسه الإنسان ويخلعه عندما يغادر هذه الحياة ليلبس لباسا آخر في الحياة الأخرى، وكذلك في الديانة الزرادشتية بمساعدة الملاك (سروش) عرج النبي زرادشت روحا إلى السماء بينما يغط جسده في سبات عميق ليعود إلى الأرض بعد ملاقاة للإله (أورمزد) – لينبأ الناس بما رآه وما تيقن عنه، وعند النصارى عرج المسيح بروحه وجسده إلى السماء وتجسّد لهم في العشاء الأخير جسدا وروحا، وفي الاعتقاد الإسلامي أسرى النبي محمد إلى بيت المقدس وعرج منها إلى السماوات حيث لاقى ربه ورأى الجنة والنار وأنبأه الله بأنباء الدنيا والآخرة ليهبط في بيت ابنة عمه فاختة بنت أبي طالب وبعدها يخبر الناس بنبئ ما رآه، فانقسم الناس بين مدهوش ومصدق ومكذّب، ناهيكم عن أساطير البساط السحري في الجزيرة العربية، وانتقال حزقيال وسليمان من مكان إلى آخر خلال زمن قصير في الإنجيل، وانتقال بابا نويل بعربة تجرها الأيل، والمكنسة الطائرة التي تمتطيها العجوز(لابيفانا) الإيطالية، وكذلك أسطورة مركبة الـ (فيمانا) عند الهنود والصينيين الطائرة في الفضاء من مكان إلى آخر، يا ترى هل هي بالفعل أساطير؟ هذا مبحث متشعب آخر يدّمر نظرية التطور التقني التصاعدي للعالم.


عند حديثنا عن فعل الإسراء والمعراج، فإننا من حيث الآلية نتناول موضوع (الانتقال السريع أكان عموديا أو أفقيا)، وهذا إما يحدث بواسطة آلة أو وسيط، كالبعير والأيل أو أي آلة أخرى متقدمة - أو أننا نتحدث عن انتقال جسداني أو روحاني من مكان إلى آخر دون أن يكون للوسيط قوة، وفي تينك الحالتين يقدّم التاريخ أمثلة متطورة أكثر عن اليوم لهاتين العمليتين، ويقدم العلم التجريبي أمثلة كثيرة لتفسيرات للعمليتين، ونبدأ ببعض الأمثلة التاريخية التي استندت عليها من الأدلة الأثرية من كتاب (العالم ما قبل الطوفان: الجزء الثاني) لعلاء الحلبي، وهذا الكتاب يدلل بالأدلة الأثرية أن تاريخ العالم قبل الطوفان في حضارة متطورة جدا أكثر عن اليوم من حيث التقنية، وهي في تراجع إلى اليوم على عكس نظرية التطور التصاعدي من البسيط إلى المعقد التي يتباهى بها العلماء، ففي بلاد الرافدين يروى أن الملوك كانوا يطيرون على ظهر طائر، وفي الأساطير البريطانية تحكي أسطورة روث فايل أن (إبريس) أنه سافر من بريطانيا إلى اليونان في زمن قياسي عبر امتطاءه سهم ذهبي، ولكنه ارتطم بتلة لودجغيت وهي الآن كنيسة كثيدرائية في سانت بول حاليا، وفي الصين نصوص أثرية تدل على أن الإمبراطور (شون) قام بالطيران عبر مركبة، ناهيك عن النقوش الحجرية التي تبين منها أن التنانين من الحيوانات المنقرضة وكان الصينيون يستخدمونها للتنقل السريع عبر الجو وتطير إلى ما فوق الغيوم، كل هذا في عصور قبل الميلاد، هذه بعض الأمثلة المذكورة في الكتاب من عشرات الأدلة، إن ثبت صحتها فإنها تدل على تطور العالم القديم وأن تقنية الإسراء والمعراج ليست بمستحيلة وأنه أحد العلوم المفقودة، وإن كانت مجرد أساطير مهوّلة، فإن ذلك يؤكد على وجود منبع تدفقت منه تلك الأساطير، كحدث خارق مألوف لدى أحدهم سبق زرادشت ومحمد، وإلا من أين أتى هذا التشابه الأثري في النصوص الأسطورية، وهو أحد مصادر إلهام التطور التقني اليوم لصناعة الطائرات والصواريخ.


ولو أخذنا موضوع الإسراء والمعراج من حيث الانتقال الجسداني أو الروحاني دون الالتفات إلى الوسيلة الوسيطة، لرأينا أن فيزياء الكم تقدم تفسيرا منطقيا لتلك العملية بفعل ثنائية المادة والطاقة، باعتبار أن المادة عبارة عن طاقة ذبذبية شكلتها بتلك الهيئة، وأن هناك ظروفا معينة تكتسبها الأشياء من الممكن أن تتحول المادة إلى طاقة والعكس بفعل التأثير على الذبذبات بهيئة تناسب تلك العملية، وكذلك يمكن للمادة أن تفنى وأن تبعث مرة أخرى في مكان آخر، وكذلك تشير نظرية السفر عبر الزمن لأنشتاين بإمكانية انتقال الجسم بسرعة الضوء وإن حدث ذلك يستطيع معرفة ما حدث في الماضي، والذهاب إلى زمان غير زماننا، ونظرية البيوسنترزم (الحياة المركزية) تنص على نفي الموت وهذا ما يدعم فكرة تناسخ الأرواح، أي الأرواح تنسخ بياناتها كالملفات في الكومبيوتر لتتحول بالنسخ إلى مكان آخر (بُعد آخر وكون آخر) بالتزامن مع البُعد الذي نعيه، أو أنها تُقتص من مكان لتذهب إلى مكان آخر، ومن مسلمات العلم اليوم أن الطاقة لا تفنى لهذا من الإمكان تحويل الجسد إلى طاقة لمدة ومن ثم استرداد الجسد مرة أخرى كما تجسد المسيح في العشاء الأخير، وعلى رغم من رصانة هذه النظريات ومنطقيتها في التصميم والإمكان، إلا أنها تواجه صعوبات من الناحية التقنية، الفكرة موجودة ولكن تفتقد إلى الاهتمام والإصرار البحثي، والمثير للاهتمام أن ابن عربي بوجدانياته تحدّث عن هذه الآلية في الفتوحات المكية باسم (الخلق المستمر) أي أن الأشياء في لا موت فيها بل في حياة مستمرة بالانتقال من حياة إلى حياة أخرى من فناء إلى خلق جديد، ومن هنا يمكن اتخاذ تلك النظريات لتفسير عملية الانتقال والصعود في الإسراء والمعراج بتلك الحركة السريعة، وكذلك اليوم نسمع ونشاهد الأحداث الخارقة من حيث انتقال الأشخاص من مكان إلى آخر دون وسيط مادي كالمركبة برسم خط أو الاختفاء والظهور في الأماكن الأخرى، بغض النظر عن الجدل الجماهيري حول تفسير تلك الخوارق أكان بوسيط من الجن أو الملائكة أو التفسير العلمي المادي، إلا أننا لا ننكر إمكان حدوثها، وكذلك عمليات استحضار الأرواح على الرغم من خرافيتها إلا أننا لا ننكر حدوثها عند بعض الأشخاص باستحضار روح الميت من عالمه إلى عالمنا إما بالنسخ أو القص بغض النظر عن اختلاف التفسيرات، هذا كان من الناحية المادية للإسراء والمعراج.


أما من الناحية المعنوية للإسراء والمعراج تكمن في العلة الغائية لتلك العملية، إما الانتقال من حال إلى حال، أو مقام إلى مقام آخر، وهذا ما ورد في إسراء النبي إدريس والرسول محمد والنبي زرادشت، أي أنهم أسروا وعرجوا إلى السماء (بغض النظر عن الخلاف بين إسراءهم روحا أو جسدا)، وجاءوا بنبأ لم يسبقه أحدهم قبل، تلك العملية التي كانت في زمنهم بمثابة الإعجاز لضعف التقنية وضعف الوعي العلمي المادي، الخارقية كانت في الصفات النفسية والروحية والجسدية التي يملكونها مكّنتهم لفعل هذه العملية، فلابد لها من شفافية عالية في الروح وخفة الجسد وتوازنه من الناحية الكيميائية التي تأتي من النفسية السليمة التي تمتعوا بها، والتي بدورها انعكست على جسدهم وفكرهم وروحهم وعلى الآخرين التي عكسوا بهالتهم النيرة طاقتهم الإيجابية، ولكي لا نكون ببعيدين، فإننا كلنا في حال إسراء ومعراج بوسيط أو بغيره، فأبسط مثال هو الموت الذي تعرج فيها أرواحنا من هذا العالم إلى العالم الآخر: "من الله ذي المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبرا جميلا، إنهم يرونه بعيدا، ونراه قريبا"، دمنا في القرب دمنا روحا عارجة دون فناء.

ابتهاج يونس 
11-7-2012

Admin · شوهد 550 مرة · 0 تعليق
الفئات: الفئة الأولى

1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية